ابن بسام

214

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

من كراعهم وسلاحهم وسائر أسلابهم جمل تفوت الحصر ، وتعجز الوصف ، وبقي المخاذيل إلى آخر النهار ، ثم خرجوا مع المغيب ، وشعر بفعلهم ، فاتبعتهم الخيل إلى النهر ، فتهافتوا فيه تهافت الفراش في النار ، وفرّوا على عاجل البوار ، وكان الشاذّ منهم من سلم ، والجمّ الغفير من غرق وتلف ، واللّه حسيب من أورطهم وأغراهم ، والمنتقم ممن قادهم إلى مناياهم . وأمّا المخذول المعهود خوره ، والشديد تهوّره ، فإنّه سقط عن مركبه في تلك الصدمة سقوطا أوهنه وكلمه ، ولولا من كرّ عليه حتى أقلّ واحتمل لحصل في ربقة الأسر ، ولغلق رهنه إلى آخر الدهر . وله من أخرى : وقد كانت نشأت بيننا وبين فلان ، النّطف الودّ ، السيّئ العهد - جزاه اللّه جزاء من خاس بذمامه ، ونثر عقد الوفاء بعد انتظامه - مداخلة توسّطها رؤساء ، وتقلّدها وزراء ، طالت زمنا لا ينتهج فيها / إلى السلم سبيل ، ولا يبدو من « 1 » الوفاق دليل ، ولا يلوح للنجاح وجه مقبول ، بما كان السفراء يلقونه من تشطّط في غير كنهه ، ومقابلتي بما كان يأتي من شبهه ، إلى أن تطأطأ من سموّه ، وتقاصر من علوّه « 2 » ، ونضا عنه ثوب الرياء ، وأبدى وجه حاجته إلى الانقياد والاستبقاء « 3 » ، فأنبت إنابة من يؤثر الهدنة على الفتنة ، وتأتيت إرادة من يريد إدالة المودة من الإحنة « 4 » ، وأنا أعتقد أنّه مصحّح فيما أراه ، صادق في الذي أعطاه ، أقضي على الظاهر ، ولا أتجاوز تصفّح الحاضر « 5 » ، وإذا هو مصرّ غدرة شوهاء « 6 » ، لو تهيّأ مراده منها لأغصّت بالريق ، وللفت السوق بالسوق ، ولكنّ اللّه بما عوّدنا من فضله نبّه على الغامض ، وأبان عن برق الخلّب الوامض ، فرأيت مكنون الضمير ، بعين التفكير ، ونشرت مطويّ الجوانح بيد التدبير ، فإذا كلّ ما عقد منحلّ ، وما أبرم مضمحلّ ، فرددت عندما خلج عقده إليه ، وقلبت غير مليم ظهر المجنّ إليه . ومن أخرى عنه : كنت قد هادنت أهل غرناطة - لا زالوا في أذيال مكرهم عاثرين ، وفي أيدي غوائلهم مستأسرين - مهادنة دعوني إليها فأجبت ، واستدنوني نحوها فدنوت ،

--> ( 1 ) م ط س : تبدو عن . ( 2 ) ك ل : غلوه . ( 3 ) د : والاستيفاء . ( 4 ) م ط س ل ك : الأحبة . ( 5 ) د : الخاطر . ( 6 ) م : شهراء .